لغز مقتل خديوي مصر عباس الاول
عباس باشا الأول
هو عباس باشا بن طوسون بن محمد علي باشا
ولد عام ١٨١٣ بمحافظة الإسكندرية.
اشترك مع إبراهيم باشا في حرب الشام، حيث قاد أحد الفيالق الحربية.
عقب عودته من الحرب، بذل محمد علي باشا جهودًا لإكسابه خبرات ولاية الحكم، فعهد إليه ببعض المناصب الإدارية منها مدير إقليم الغربية.
عُيِّن مُفتشًا على الأقاليم البحرية (الدلتا)، ثم عُيِّن مُفتشًا على عموم الدواوين.
عُيِّن مديرًا للديوان الخديوي مع استمراره مُفتشًا للدواوين، كما عُيِّن قائمقام خديوي.
وفي سنة ١٢٦٥ﻫ تولى زمام الأحكام على الديار المصرية بعد وفاة عمه إبراهيم
بعد موت محمد علي كادت مصر تكون نسيًا منسيًّا، لا أهمية لها في نظر أوروبا، لولا مرور تجارة الهند عن طريق مصر؛ وذلك لأن مَن خلفه من ذريته لم ينالوا تلك الصفات التي ميَّزته، وجعلته في مصافِّ عظماء الرجال في عصره.
تولى الملْك عباس باشا الأول — ابن طوسون بن محمد علي — في (٢٧ ذي الحجة سنة ١٢٦٤ﻫ/٢٤ نوفمبر سنة ١٨٤٨م)، وكان إذ ذاك يناهز السادسة والثلاثين من عمره، فكان أول عمل قام به أن هدم كل ما أفنى فيه جدُّه العظيم زهرة حياته، غير مفرِّق بين النافع والضار؛ فكما قضى على احتكار التجارة المجحف بحق الفلاح، نقص الجيش إلى تسعة آلاف، وأغلق المعامل والمدارس، واستغنى عن كثير من الموظفين الغربيين، وأظهر ميله إلى العادات والأنظمة التركية والبلدية.
مضى عباس باشا معظم حكمه بمعزلٍ عن الناس، متهاونًا في شئون الملْك، غير مكترث بما في ذلك من الضرر.
تلك كانت خطته. ولما رأى أنه يحيط به قطيع من الذئاب الغربية، وطائفة من الموظفين المتملقين الذين لا همَّ لهم إلا جمع الثروة من حوله، اعتزل جميعهم إلا نفرًا قليلًا من سفراء الدول وخدمه الخاصة؛ فكانت حياته سرًّا غامضًا.
اساء الظن بأفراد اسرته ، وبكثير من رجالات محمد على وابراهيم ، وخيل له الوهم انهم يأتمرون به ، فأساء معاملتهم ، وخشى الكثير منهم على حياته ، فرحل بعضهم الى الاستانه ، والبعض الى اوروبا خوفا من بطشه ، واشتد العداء بين الفريقين طول مدة حكمه ، وبلغ حقده على من يستهدفون لغضبه انه حاول قتل عمته الاميرة نازلى هانم ، واشتدت العداوه بينهما حتى هاجرت الى الاستانه خوفا من بطشه .
وفي أيامه أُنشئ أول خط حديدي في مصر، بل في ممالك الشرق بأجمعها؛ وذلك هو الخط الممتد بين الإسكندرية والقاهرة،
وكان الموعز لمدِّ هذه السكة الحكومة الإنجليزية لتسهيل نقل البريد والمسافرين بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، وقد عارضت في الأمر الحكومة الفرنسية؛ فسبَّب ذلك بعض التأخير في إنجاز المشروع..
وكان عباس باشا يريد حرمان عمه «سعيد» من الملْك بعده ليكون لابنه «إلهامي»، فأتت المقادير على عكس ما أراد؛ إذ قُتل فجأة في قصره في بِنْها، وكان ابنه إلهامي غائبًا عن الديار المصرية، فورث الملْك سعيد باشا بدون أدنى معارضة،
اتفقت الروايات على ان عباس مات مقتولا فى قصره فى بنها ، وهذا امر مقطوع بصحته ، ولكن الخلاف فى رواية مقتله ، وليس عجيبا ان يختلف الرواه فى ذلك ، فأن مقتل عباس كان نتيجة مؤامرة من مؤامرات القصور ، وهذه المؤامرات لايسهل اكتساب حقيقتها ، او الاتفاق على روايتها لما يكتنفها من الاسرار ، ولانا تقع فى جنح الظلام ، بعيده عن الانظار ، فلا يعرف الناس عنها الا ماتتناقله الالسنه بعد وقوعها ، ومن هنا ينشأ الاختلاف فى الرواية ، ولدينا عن مقتل عباس روايتان احدهما ذكرها اسماعيل باشا سرهنك ان عباس كانت له حاشية من المماليك يقربهم اليه ويصطفيهم ، ويتخذ منهم خواص خدمه ، وهم عنده من المنزله ما جعله يغدق عليهم بالرتب العسكرية العالية ، على غير كفاءة يستحقونها ، حتى حاز اكثرهم رتبة قائمقام وكان لهم كبير من خاصة غلمانه ، يسمى خليل درويش بك ، وعرف فيما بعد بحسين بك الصغير ، وقد اساء هذا الرئيس معاملة اولئك المماليك ، فأستطالوا عليه بالغمز واللمز ، وخاصة لانه كان صغير السن ، فأتخذوا من حداثته مغمز الاقاويل ، فسخط عليهم ، وشكاهم على مولاه ، فأمر بجلدهم ، فجلدوا ، وجردوا من ثيابهم العسكرية ، والبسهم خشن اللباس ، وارسلهم الى الاصطبلات لخدمة الخيل ، فعز ذلك على ( مصطفى باشا ) امين خزانة عباس ، لانهم كانوا من اتباعه المقربين اليه ، فسعى جهده لدى سيده ليعفو عنهم ، فلم ينل بادىء الامر بغيته ، فلما ذهب عباس باشا الى قصره فى بنها بصحبة احمد باشا يكن وابراهيم باشا الالفى محافظ العاصمة ، رجاهما مصطفى باشا ان يطلبا العفو عنهم ، فطلبا ذلك من عباس ، فأجاب ملتمسهما ، واصدر امرا بالعفو عنهم ، وردهم الى مناصبهم ، فجاءوا الى بنها ليرفعوا واجب الشكر للامير ، ولكنهم اضمروا الفتك بك انتقاما لما اوقع بهم ، فأئتمروا به مع غلامين من خدمة السراى ، يدعى احدهما عمر وصفى والاخر شاكر حسين ، واتفق الجميع على قتله ، وكان من عادة عباس عند ان نومه ان يقوم على حراسته غلامان من مماليكه ، ففى ليلة 18 شوال سنة 1270 ( 14 يوليه سنة 1854 ) كان الغلامان الذكوران يتوليان حراسته ، فجاء المؤتمرون فى غسق الليل على اتفاق معهما ، وفتحا لهم الباب ، فدخلوا الى غرفة الامير وهو نائم ، ولما ارادوا الفتك به استيقظ وحاول النجاة ، فصده عمر وصفى ، وتكاثر عليه المتأمرون وقتلوه ، ثم اوعزوا الى الغلامين بالهرب فهربا ، وكتم المتأمرون الخبر الى اليوم التالى ولما لم يستيقظ الامير فى موعده دخل عليه احمد باشا يكن وابراهيم باشا الالفى فوجداه مقتولا ، فذعرا لهذه الفاجعة ، واتفقا على اخفاء الخبر حتى نقل الامير القتيل الى القاهره فى عربة ووصلا الى قصره بالحلمية ، وهناك ذاع خبر قتله .
اما الرواية الأخري وهي رواية مدام اولمب ادوار فخلاصتها ، ان الاميرة نازلى هانم عمة عباس هى التى ائتمرت به وهى فى الاستانه ، وانفذت مملوكين من اتباعها لقتله ، واتفقت واياهما على ان يعرضا انفسهما فى سوق الرقيق بالقاهره ، كى يشتريهما عباس ويدخلهما فى خدمته ، وكان المملوكان على جانب من الجمال ، مما يرغب وكيل الامير فى شرائهما ، فجاءا الى القاهره فعلا ونزلا الى سوق الرقيق ، الى أن راهما وكيل الامير ، فراقه جمالهما ، فأشتراهما وادخلهما سراى مولاه ببنها ، فأعجب بهما عباس ، وعهد اليهما بحراسته ليلا ، قالت مدام الومب ادوار ، فلما كانت الليلة الاولى لم يجرؤ المملوك على ارتكاب القتل ، لانهما خشيا بأس عباس اذ كان قوى البنيه ، شديد البطش ، وخافا ان يقاومهما وينجو من فتكهما ، فينكل بهما اشد تنكيل ، ويوردهما موارد الهلاك المحتوم ، انقضت الليلة الاولى بسلام ، ومرت ايام عدة وهما يستجمعان قوتهما إنفاذ القتل عند سنوح الفرصه ، حتى جاءتهما النوبة ثانية لحراسة مولاهما ، فاعتزما ان يكونا اكثر شجاعة من قبل فلم يكد يستغرق عباس فى النوم حتى انقضا عليه وقتلاه ، ولم يدعا الوقت لصيح او يقاوم ، ولما ارتكبا الجريمة نزلا اصطبلات الخير الملحقة بالسراى ، وطلبا الى السائس ان يجهز لهما فورا جوادين بحجة ان الباشا يطلب حاجه له من قصره بالعباسية ، فلم يشك الخادم بالامر ، وجهز لهما الجوادين فسارا بهما عدوا الى القاهرة ، ومن هناك فرا الى الاستانة ، حيث نقدتهما الاميرة نازلى مكافأة سخية على انفاذ المؤامرة .
وتقول مدام اولمب ادوار ان الهامى باشا تعقب المملوكين القاتلين ليثأر لأبيه ، فألتقى بأحدهما فى الاستانه ، وقتله رميا برصاص مسدسه ، ولم يستطع اللحاق بالثانى ولم يعثر له على مكان ، وقيل انه اوى الى بلاد الارناءو
د فرارا من القتل .

Comments
Post a Comment