فتنه الحلاج
من بين الشخصيات الصوفية المثيرة للجدل والغريبة في طرحها ومعتقدها شخصية الحلاج، ذلك الرجل الذي سهر الخلق جراء كلامه، واختصَموا فيه خصامًا مبينًا
هو الحسين بن منصور بن محمي أبو عبد الله، ويكنى أيضًا أبا مغيث
وله اسم آخر هو: محمّد بن أحمد الفارسي البيضاوي الصوفي
والبيضاء مدينة ببلاد فارس، وكان جدُّه محمي مجوسيًّا
وقد نشأ بتُستَر، وفيها صحب عبد الله بن سهل التستري وأبا الحسين النوري، وصحب عمر بن عثمان المكي، وأكثر الترحال والسفر والمجاهدة
واختلفوا لم سمّي بالحلاج على أقوال:
أحدها: أن أباه منصورًا كان حلَّاجًا بواسط.
والثاني: أنه تكلم على الناس وعلى ما في قلوبهم فقالوا: هذا حَلاج يَحْلُج الكلام.
والثالث: ذكره السُّلَمي قال: مرَّ على حلاج وقال له: اذهب في شغل كذا وكذا، فقال: أنا مَشغول بصَنْعتي، فقال: اذهب وأنا أُعينك على شُغلك، فذهب الرجل وعاد، فإذا جميع ما في دكانه من القطن مَحْلوجًا، فسمِّي الحلاج”
وقد انقسَم الصوفيَّة الذين أدركوه وعاصَروه حيالَ أحواله إلى قسمين:
القسم الأول: عدَّوه منهم، وعدّوا ما عنده كرامةً وفضلًا، ومن هؤلاء: أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصراباذي النيسابوري، وصحَّحوا له حاله، ودوَّنوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني.
القسم الثاني: وهم أغلب الصوفية في عصره، أنكروا حالَه، وتبرَّؤوا منه، ونسبوه إلى الشعوذة والدجَل، وبعضهم نسبه إلى السّحر والزندقة، عياذًا بالله
ثمة مسألتان رئيسيتان في فكر الحلاج، لا تخلو أي من أقواله أو أشعاره منهما؛ الأولى هي وحدة كل ما في الوجود، والثانية أن الطريقة الوحيدة لإدراك هذه الوحدة تتم عبر إفناء "الأنا" أو "الذات" الفردية في "الأنا" أو "الذات" الكلية، أو حسب مصطلح الحلاج "استهلاك ناسوتية الإنسان في لاهوتية الله".
فالحلاج يرى أن ثمة "واحدا" فقط في الوجود ولا شيء سواه، وهو الله، وأن جميع الموجودات هي تعبيرات عن هذا "الواحد"، مثل أشعة الشمس رغم تعددها فإن مصدرها واحد. ورغم أن مصدر كل شعاع هو الشمس لكن هذه الأشعة لا تقوم مقام الشمس، وهي ليست مساوية لها، كما أنها ليست "مماسة أو ممازجة لها".
حواسنا تتعامل خطأ مع تلك الموجودات باعتبارها موجودات منفصلة وقائمة بذاتها، بينما يرى الحلاج أن ذلك مجرد وهم ناجم عن قصورنا في إدراك الحقيقة والتي يقسمها إلى ثلاثة مستويات: "ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة".
الحلاج كانت له عدَّة روافد عقدية استمد منها ضلاله، ولعل في تلونه إحالةً إلى ما كان عليه من إخفاء حقيقة معتقدِه، لكن الذي لا يخفَى هو أن جميعَ المذاهب السنيّة على اختلافها لم يظهر عند أي أحدٍ منها إنكار شيء من أركان الإسلام كما وقع للحلاج،
كان يقول : إن أرواح الأنبياء أعيدت إلى أجساد أصحابه وتلامذته ، فكان يقول لأحدهم : أنت نوح ، ولآخر : أنت موسى ، ولآخر : أنت محمد.
كان يقول بالحلول والاتحاد . أي : أن الله تعالى قد حَلَّ فيه ، وصار هو والله شيئاً واحداً . تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
سمع قارئاً يقرأ آية من القرآن ، فقال : أنا أقدر أن أؤلف مثل هذا .
كان الحلاج قد قدم آخر قدمة إلى بغداد فصحب الصوفية وانتسب إليهم وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم والحجاب في دار السلطان ومن غلمان نصر القشوري الحاجب ، وجعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحيي الموتى وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما يختاره ويشتهيه ، وقال : إنه قد أحيا عدة من الطير . وذكر لعلي بن عيسى أن رجلا يقال له محمد بن علي القنائي الكاتب يعبد الحلاج ويدعو الناس إلى ذلك ، فطلبه وكبس منزله فأقر أنه من أصحاب الحلاج ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتتبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود ، ووجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج وبوله وأشياء من آثاره وبقية خبز من زاده ، فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله وأنه يحيي الموتى ، وأنهم كاشفوا الحلاج فجحد ذلك وكذبهم ، وقال : أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر الصوم والصلاة وفعل الخير ، ولا أعرف غير ذلك
وكانت عليه مدرعة سوداء وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا وهي واصلة إلى ركبتيه ، وكان مع ذلك يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة .
وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب مأذونا لمن يدخل إليه ، وكان يسمي نفسه تارة بالحسين بن منصور ، وتارة محمد بن أحمد الفارسي ، وكان نصر الحاجب هذا قد افتتن به ، وظن أنه رجل صالح وكان قد أدخله على المقتدر بالله فرقاه من وجع حصل فاتفق زواله ، وكذلك وقع لوالدته السيدة أم المقتدر بالله فزالت علتها فنفق سوقه وحظي في دار السلطان ، فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس ، فحبسه في قيود كثيرة في رجليه وجمع له الفقهاء ، فأجمعوا على كفره وزندقته وأنه ساحر ممخرق ، ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه
فذكرا من فضائحه وما كان يدعو إليه الناس من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئا كثيرا ، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة ، من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة ، فانتبهت ، فقال : قومي إلى الصلاة ، وإنما كان يريد أن يطأها وأمرتها ابنته بالسجود له ، فقالت : أويسجد بشر لبشر ؟ فقال : نعم ، إله في السماء وإله في الأرض . ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أحبت ، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبدورة .
ولما كان آخر مجلس أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجيء بالحلاج وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه ، وفيه : من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة ثم يستدعي بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه ويتولى خدمتهم بنفسه ثم يكسوهم قميصا قميصا ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج ، وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان .
ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك ، وأن من جاور بمقابر الشهداء بمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره .
فقال له القاضي أبو عمر : من أين لك هذا ؟ فقال من كتاب " الإخلاص " للحسن البصري . فقال له : كذبت يا حلال الدم قد سمعنا كتاب " الإخلاص " للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا . فأقبل الوزير حامد بن العباس على القاضي أبي عمر ، فقال له : قد قلت : يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة . وألح عليه وقدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة ، وكتب من حضر خطوطهم فيها ، وأنفذها الوزير إلى المقتدر ، وجعل الحلاج يقول لهم : ظهري حمى ودمي حرام وما يحل لكم أن تتأولوا علي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ، وتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي . فلا يلتفتون إلى شيء مما يقول ، وجعل يكرر ذلك وهم يكتبون خطوطهم بما كان من الأمر ورد الحلاج إلى محبسه وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس ، فكتب إلى الخليفة يقول له : إن أمر الحلاج قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان وقد افتتن كثير من الناس به . فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فليضربه ألف سوط فإن مات وإلا ضربت عنقه . ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة فسلمه إليه وبعث معه طائفة من غلمانه يوصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم وذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة على مثل شكله ، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة فذكر أنه بات يصلي في هذه الليلة ويدعو دعاء كثيرا .
قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت أبا بكر الشاشي يقول : قال أبو الحديد - يعني - المصري : لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلى ما شاء الله فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه ومد يده نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ ، فكان مما حفظت أن قال : نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدى ما شئت من شأنك ومشيئتك ، وأنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة ، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة ، ثم أوعزت إلي شاهدك لأني في ذاتك الهوي ، كيف أنت إذا مثلت بذاتي عند عقيب كراتي ، ودعوت إلى ذاتي بذاتي ، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي ، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي عند القول من برياتي ، إني احتضرت وقتلت وصلبت وأحرقت واحتملت سافياتي الذاريات ، ولججت في الجاريات وإن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتي لأعظم من الراسيات .
قالوا : ولما أخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد :
طلبت المستقر بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا
أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لعشت حرا
قالوا : ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة ، ولم يتغير لونه ، ويقال : إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد .
وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والي الشرطة : ادع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية . فقال له : قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، وحز رأسه ، وأحرقت جثته ، وألقي برمادها في دجلة ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي ، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد أربعين يوما .!
وادعى بعضهم أنه -في ذلك اليوم بعد قتله- رآه راكبا حمارا في طريق النهروان ، وقال : لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب المقتول .
وزعم بعضهم أن دابة حولت في صورته . وأحضر جماعة من الوراقين ، فأحلفوا أن لا يبيعوا من كتب الحلاج شيئا ، ولا يشتروها
السلمي : سمعت عبد الله بن علي ، سمعت عيسى القصار يقول : آخر كلمة تكلم بها الحسين بن منصور عند قتله : حسب الواحد إفراد الواحد له . فما سمع بهذه الكلمة فقير إلا رق له واستحسنها منه .
.
Comments
Post a Comment